يشهد النظام الدولي تحولًا عميقًا ومتسارعًا، فلم يعد العالم محكومًا بنظام مهيمن واحد، بل بات يتسم بتداخل الأزمات، وتحول مراكز القوة، وتصاعد حالة عدم اليقين. ومن النزاعات النشطة والمجمدة إلى الإرهاب والهجرة غير النظامية وتغير المناخ وعدم المساواة الاجتماعية، فضلًا عن الآثار المزعزعة للذكاء الاصطناعي والتهديدات السيبرانية، اتسع نطاق التحديات التي تواجه المجتمع الدولي بصورة كبيرة.
وما يجعل هذه المرحلة بالغة التعقيد هو تزامن هذه الأزمات، إذ لم تعد الدول تتعامل مع تهديدات منفصلة، بل مع مخاطر مترابطة يعزّز بعضها بعضًا. وفي الوقت ذاته، تفقد الآليات التي وضعت عقب الحرب العالمية الثانية لإدارة التحديات العالمية فاعليتها تدريجيًّا. فالنظام الدولي القائم على القواعد يتعرّض للتآكل، من دون أن يظهر بديل واضح له.
وتتحول موازين القوى، فيما تحل المنافسة محل التعاون بصورة متزايدة. وتضعف المؤسسات الدولية، وتتراجع التعددية، وتتنامى حالة عدم اليقين. ولعل الأكثر إثارة للقلق هو عودة فكرة أن "القوة تصنع الحق"، بما يشير إلى انزياح عن القانون الدولي نحو سياسة القوة المجردة. وفي هذا السياق، يبدو أن النظام العالمي يدخل مرحلة من الاضطراب، تعيد فيها الدول تقييم السبل الكفيلة بالتعامل مع بيئة أكثر تشظيًّا وأقل قابلية للتنبؤ.
ويغذي هذا التحول أيضًا نزعات التسلح، وزيادة الإنفاق الدفاعي، والبحث عن شراكات مرنة بدلًا من التحالفات الجامدة. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى الدفاع عن القانون الدولي وإعادة صياغة النظام العالمي ضمن إطار أكثر عدالة وشمولًا أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وإلى جانب التنافس الأمريكي–الروسي، يكتسب التنافس الأمريكي–الصيني أهمية متزايدة. كما تتقدم النقاشات حول نظام عالمي "ما بعد غربي". وتكشف اختلافات التصورات بين الولايات المتحدة وأوروبا، والتي برزت بصورة أوضح بفعل الحربين في أوكرانيا وإيران، عن احتمالات تشقق داخل الكتلة الغربية. وفي المقابل، تتصاعد مكانة آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فيما يطالب الجنوب العالمي بتمثيل أكبر وتوزيع أكثر إنصافًا للقوة والموارد. ويشير المستقبل إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، ومتعدد المستويات، ومتعدد الكتل.
