دفعت الحرب الروسية–الأوكرانية بالأنظمة غير المأهولة من موقع الأدوات التكتيكية الثانوية إلى موقع مركزي في ساحة القتال. فروسيا وأوكرانيا لا تستخدمان المسيّرات للوعي الميداني والضربات الحركية فقط، بل كذلك لفرض تكلفة على الخصم، واستنزاف مخزونات الدفاع الجوي، وتنفيذ عمليات الخداع والتأثير.
ولم تبقَ آثار الحرب داخل حدود الدولتين. ففي 9 و10 سبتمبر/أيلول 2025، أدى اختراق مسيّرات روسية للمجالين الجويين البولندي والروماني إلى إطلاق الناتو عملية "الحارس الشرقي" (Eastern Sentry)، واستخدام مقاتلات F-16 وF-35 للتعامل مع التهديد. إلا أن هذه التطورات كشفت في الوقت نفسه أن استخدام قوة جوية متقدمة ومنظومات دفاعية عالية التكلفة وصواريخ اعتراض باهظة ضد مسيّرات رخيصة وقابلة للاستهلاك لا يشكل نموذجًا عملياتيًّا مستدامًا للدفاع المستمر.
في الأصل، طرحت دول البلطيق، مثل ليتوانيا ولاتفيا وبولندا، مشروع جدار المسيّرات عام 2023 بوصفه وسيلة لتعزيز مراقبة الحدود، خصوصًا في مواجهة تدفقات الهجرة القادمة من بيلاروسيا، التي اعتبرت هذه الدول أنها تُستخدَم من قِبَل روسيا وبيلاروسيا لخلق حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. لكن طلبات التمويل المقدمة من إستونيا وليتوانيا إلى المفوضية الأوروبية رُفِضت آنذاك.
غير أن انتهاكات عام 2025 أعادت إبراز أهمية المشروع. وفي إطار "خريطة طريق الجاهزية الدفاعية 2030"، طرحت الدول الأوروبية مبادرات تشمل مراقبة الجناح الشرقي، ومبادرة الدفاع الأوروبية ضد المسيّرات، والدرع الجوي الأوروبي، والدرع الفضائي الأوروبي. وتقترح مبادرة الدفاع الأوروبية ضد المسيّرات بناء قدرة شاملة للدفاع الحدودي الأوروبي، تجمع بين أنظمة المراقبة متعددة المجالات، وقدرات المسيّرات ومكافحتها، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الضربات الدقيقة، والتنسيق العملياتي السريع.
كما جعلت خطة عمل المفوضية الأوروبية لأمن المسيّرات ومكافحتها: الجاهزيةَ، والكشف، والاستجابة المنسقة، والتوسع الصناعي، والاستعداد الدفاعي- أولوياتٍ أساسيةً. وعليه، ينبغي تحليل "جدار المسيّرات" لا بوصفه حاجزًا ماديًّا ثابتًا، بل بوصفه بنية دفاع شبكية مضادة للمسيّرات، تتكون من مستشعرات، وأنظمة دمج بيانات، ومنظومات قيادة وسيطرة، ووسائل تعطيل واعتراض.
يتطلب جدار مسيّرات موثوق تقنيًّا قدرة مستمرة على الكشف عبر الحدود، والتعرف الدقيق على الأهداف، والتتبع في الزمن الحقيقي، وخيارات استجابة سريعة، وتقييم نتائج الاشتباك. كما يوفر تبادلًا آمنًا للمعلومات، ومعايير مشتركة، وصورة جوية موحدة، وإجراءات واضحة للتعاون المدني–العسكري. وهذه المتطلبات تضعه مباشرة ضمن أجندة الناتو الأوسع للدفاع الجوي والصاروخي.
والسؤال الجوهري ليس عمّا إذا كانت أوروبا تحتاج إلى جدار للمسيّرات، بل عمّا إذا كان هذا المشروع يستطيع التحوّل من مبادرة حدودية ذات حضور سياسي وإعلامي إلى بنية دفاع مضادة للمسيّرات، متكاملة مع الحلف، تعزّز الردع والدفاع في جناحه الشرقي.
تبحث هذه الدراسة في التحوّل الذي طرأ على المقاربة السياسية لمفهوم جدار المسيّرات، وموقعه داخل أجندة الناتو للدفاع الجوي والصاروخي، والشروط اللازمة لتحويله إلى بنية دفاعية مضادة للمسيّرات ومندمجة في الحلف.
