في الوقت الذي يتحول فيه النظام الدولي نحو عصر من انعدام المعايير، يتشكل بفعل تآكل النظام الليبرالي القائم على القواعد، وصعود السياسة البراغماتية وتكثّف الصراعات المسلحة، يشهد مركز ثقل البنية الأمنية العالمية بدوره تحولًا تاريخيًّا مفصليًّا. وفي صميم هذا التحول، تتجه الدول الأوروبية إلى قمة حلف الناتو عام 2026 المقرر عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز، وهي مثقلة بتناقضات داخلية عميقة وتصورات متباينة للتهديدات، ولا سيما في ظلّ أوجه قصور خطيرة في القدرات، خاصة على صعيدَي الحجم الصناعي والقوة البشرية العسكرية.
تحظى قمة أنقرة بفرصة لتكون قمة تاريخية، في ظل اختبار الروابط عبر الأطلسي وإخضاع استجابات أوروبا الرامية إلى ضمان أمنها الخاص لمزيد من التدقيق، وإعادة صياغة مستقبل حلف الناتو. وفي هذا السياق، ومع تكثّف النقاشات حول مفهوم «الناتو 3.0» وتصاعد خطاب «أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى»، أصبحت دراسة تصورات أوروبا للتهديدات الأمنية وإستراتيجياتها لبناء القدرات العسكرية أمرًا بالغ الأهمية. إلى جانب أزمة الأمن العالمي وأوجه التباعد في العلاقات عبر الأطلسي، هناك ثلاث صدمات جيوسياسية أساسية تسهم في تشكيل موقع أوروبا في معادلة الأمن العالمي، وكذلك مساعيها للبحث عن بدائل. وتتمثل الصدمة الأولى والأبرز في عودة عنصر الحرب التقليدية إلى القارة الأوروبية، عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وقد أطاح هذا التطور بالأوهام الأمنية المعيارية التي سادت أوروبا على مدى عقود، وأعاد سياسات الأمننة وبناء القدرات العسكرية والسعي نحو الأمن الجماعي إلى مرتبة الضرورات الأساسية.
تتمثل الصدمة الكبرى الثانية في التحول الذي طرأ على الديناميات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، وما رافقه من تصدّع هيكلي في العلاقات عبر الأطلسي. وقد أصبح هذا النهج الأمريكي الجديد تجاه أوروبا أكثر وضوحًا، ولا سيما في الولاية الثانية للرئيس ترامب، إذ يميل إلى عدّ الطاقة السياسية والموارد المالية التي تنفقها أوروبا في مواجهة التهديد الروسي غير ضرورية في ضوء الأولويات العالمية للولايات المتحدة، وبخاصة منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
كما أن انتقال واشنطن من كونها ضامنًا غير مشروط للمظلة الأمنية الأوروبية إلى تبنّي موقف متحفظ قائم على اعتبارات التعامل والمصالح، إلى جانب الضغوط المتزايدة من أجل تقاسم الأعباء- كل ذلك عمّق مخاوف «التخلي» في العواصم الأوروبية. وتفيد هذه الإشارات، التي تعكس توجهًا نحو الانسحاب الإستراتيجي الأمريكي، بأن أوروبا تُدفَع بصورة حتمية نحو البحث عن بنية أمنية تتمتع بقدرة ذاتية على الصمود داخل الحلف، بل وربّما نحو بناء بنية أمنية أوروبية يمكن أن تكون مستقلة عن حلف الناتو.
أما الصدمة الثالثة، فتجري على امتداد الحدود الجنوبية للقارة؛ فمنذ الربيع العربي، أسهمت هشاشة الدول والحروب الأهلية وأزمات الأنظمة المستمرة في المناطق المجاورة، ولا سيما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل، في خلق دوامة مزمنة من عدم الاستقرار بالنسبة إلى أوروبا. وقد أدت الدبابات في الشرق والآثار العابرة للحدود الوطنية لناجمة عن عدم الاستقرار في الجنوب- إلى وضع أوروبا أمام مأزق إستراتيجي ذي جبهتين.
في ضوء جميع هذه السياقات الظرفية والهيكلية، تطرح هذه الدراسة الأسئلة الأساسية الآتية بهدف تحليل الوضع الراهن للبنية الأمنية الأوروبية: ممَّ تخشى الدول الأوروبية تحديدًا في ظل النظام العالمي الهش؟ وكيف تتشكل تصوراتها للتهديدات على امتداد الخطوط الجغرافية داخل القارة؟ وإلى أي مدى تتوافق المواقف العسكرية الوطنية لهذه الدول على أرض الواقع مع هذه التصورات، في ظل القيود التي تفرضها أوزانها الاقتصادية وقدراتها الصناعية؟
