يجب فهم الحرب التي اندلعت في 28 فبراير بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران على أنها نتيجة للتوترات الإستراتيجية المتراكمة منذ فترة طويلة، لا على أنها حدث طارئ. فعلى مدى سنوات، شكّل برنامج إيران النووي، وقدراتها المتنامية في مجال الصواريخ الباليستية، وشبكة شركائها غير الحكوميين التي تصفها طهران بـ ”محور المقاومة“، أساس تصورات التهديد في واشنطن وتل أبيب. وقد شاطرت دول عديدة في المنطقة واشنطن وتل أبيب هذه المخاوف، وإن تجلت في أشكال مختلفة. أما إيران، فقد فسرت الضغوط الناجمة عن هذين الطرفين على أنها جزء من سياسة تطويق تهدف إلى تقييدها وزعزعة استقرارها.
وحتى وقت قريب، كان من الممكن احتواء هذه التوترات، رغم هشاشتها، إلى حد كبير ضمن حدود الدبلوماسية، وبدأت عملية التفاوض في أبريل 2025، ثم تخلل هذا المسار الممتد صراع دام 12 يومًا في يونيو. وقد أظهرت محادثات واشنطن-طهران التي استُؤنفت في 6 فبراير في مسقط، عاصمة عُمَان، التي مثّلت استمرارًا لعملية التفاوض التي استمرت خمس جولات، أن الطرفين لا يزالان منفتحين على التفاوض. ومع ذلك، انهار هذا المسار التفاوضي مع هجوم الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران في 28 فبراير.
وعلى عكس الصراع المحدود نسبيًّا الذي دام 12 يومًا في يونيو 2025، وصلت الحرب الحالية إلى مرحلة أطول أمدًا وأشدّ تعقيدًا، من شأنها أن تُفضي إلى نتائج أبعد أثرًا من الناحية الإستراتيجية. إذ اتسمت الحرب في مرحلتها الأولى بهجمات منسقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" استهدفت منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، وقدرات إيران في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأصولها العسكرية الحيوية. وردّت إيران على هذه الهجمات بدفعات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، كانت مكثفة في البداية، ثم أصبحت أكثر انضباطًا وسيطرة بمرور الوقت.
وما أن اندلعت الحرب حتى تجاوزت حدود الصراع بين هذه الدول الثلاث لتتحول إلى أزمة إقليمية تؤثر في التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط. واضطرت الأطراف الإقليمية، ولاسيما دول الخليج والعراق وسورية وتركيا، إلى محاولة منع امتداد الصراع إلى أراضيها من جهة، والتكيف مع الواقع الجيوسياسي الجديد الذي أفرزته الحرب من جهة أخرى. إن إقدام إيران، في إطار سعيها إلى ردع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، على ضرب جيرانها العرب في الخليج، على نحو لم يقتصر على القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في تلك البلدان، وإغلاقها مضيق هرمز، وإعلانها سيادتها الأحادية هناك- كل ذلك أظهر مدى المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها البعد الإقليمي للحرب. وبالإضافة إلى تعرّض الحياة المدنية للتهديد، أصبحت تجارة الطاقة في الخليج، وبشكل عام عدم الاستقرار الذي شهده الخليج العربي- من القضايا المركزية للحرب. وقد أدى هذا الوضع إلى تفاقم المخاوف الأمنية لدى دول الخليج المعتمدة على تصدير الطاقة، ودفع دول المنطقة إلى انتهاج سياسة توازن دقيقة بين أطراف الحرب.
ولم تقتصر الحرب على الكشف عن هشاشة النظام الإقليمي الحالي فحسب، بل طرحت أيضًا أسئلة حاسمة بشأن مستقبل توازنات القوى في الشرق الأوسط. إن تحول دول المنطقة إلى أهداف مباشرة في حرب لم تبادر إليها ولم تنخرط فيها رسميًّا سيشكل عاملًا حاسمًا في هذه التوازنات. ويتمثل العامل الآخر في الموقف الذي ستتخذه دول المنطقة تجاه إيران مستقبًلا، بعد أن دأبت في السابق على إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة بين طهران والولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى. ولتقييم كيفية تبلور هذا الموقف، من الضروري استقراء مواقف هذه الدول في السابق، وكيفية تعاطيها مع الاستهداف الإيراني لها.
