يُشكّل الصراع الإيراني-الإسرائيلي أحد أبرز محددات الصراع الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتشابك فيه حسابات توازن القوى، ومستقبل الأمن النووي، ودرجات التصعيد العسكري. فعلى مدى سنوات سبقت أحداث السابع من أكتوبر 2023، اعتمدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه إيران على منطق ”إدارة التهديد” عبر إستراتيجية عُرِفت باسم ”الحرب بين الحروب”؛ وهي خطة تهدف إلى احتواء التهديدات الإيرانية ومنع وصولها إلى مستوى السلاح النووي من خلال ضربات محدودة تستهدف حلفاء إيران وخطوط إمدادهم، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة وشاملة، إلا أن هجوم السابع من أكتوبر مثّل صدمة إستراتيجية أحدثت تحولًا جذريًّا في هذه العقيدة، حيث كشف الهجوم عن نقاط ضعف بنيوية في تصورات الردع التقليدية، وبرزت معضلة "وحدة الساحات" بوصفها واقعًا ميدانيًّا واجهت فيه "إسرائيل" جبهات قتال متعددة ومتزامنة مدعومة لوجستيًّا وإستراتيجيًّا من إيران، مما أدّى إلى تآكل مفهوم الردع الإقليمي الذي سعت تل أبيب إلى ترسيخه عقودًا من الزمان.
تكمن “إشكالية البحث” في رصد وتحليل الانتقال النوعي في الإستراتيجية الإسرائيلية من سياسة "الاحتواء والردع غير المباشر" إلى تبني عقيدة "الردع الهجومي والحسم العسكري"، حيث لم يعد الهدف الإسرائيلي مقتصرًا على تقليل التهديد، بل انتقل إلى فرض "تكلفة إستراتيجية باهظة" على القدرات الإيرانية، واستهداف "رأس الأخطبوط" في العمق الجغرافي الإيراني بدلًا من الانشغال بالأطراف فقط.
تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تُفكّك الأدوات المتكاملة (العسكرية، والاستخباراتية، والسياسية) التي سخّرتها "إسرائيل" في هذه المرحلة الجديدة، وصولًا إلى العمليات المشتركة مع الولايات المتحدة في عام 2025 و2026، كما تسلط الضوء على الدور المحوري للقيادة المركزية الأمريكية، والتحالفات الإقليمية الناشئة في توفير "غطاء عملياتي ودبلوماسي" لهذا التحول الإستراتيجي.
إن فهم هذه الديناميكيات يُعَدّ أمرًا أساسيًّا لاستشراف مستقبل الاستقرار الإقليمي ومعادلات القوى في المنطقة، في ظل إستراتيجية إسرائيلية باتت تسعى نحو "الحسم" بدلًا من مجرد "الإدارة".
الأهداف التي تبنتها "إسرائيل" تجاه إيران بعد 7 أكتوبر
شكّل التحول في الأهداف الإسرائيلية تجاه إيران بعد السابع من أكتوبر 2023، أحد الملامح الرئيسة للتغيّر الإستراتيجي الذي طرأ على البنية الأمنية الإسرائيلية بشكل كامل. حيث كانت الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران تقوم على منطق "إدارة التهديد"، التي تقتصر على ضربات محدودة في سورية والعراق تستهدف توريد الأسلحة المتطورة إلى حلفاء إيران، دون أن تدخل في صراع مباشر مع إيران في أراضيها. لكن هجوم 7 أكتوبر كشف عن نقاط ضعف كبيرة في العقيدة الأمنية، مما جعلها تعيد النظر في أولوياتها تجاه التهديد الإيراني، الذي أصبح يُعَدّ مركز القوة في "محور المقاومة" الذي يشكل خطرًا على أمن "إسرائيل" من عدة جبهات.
إن معرفة الأهداف الجديدة أو المُعدّلة التي اعتمدتها "إسرائيل" تجاه إيران عقب هذا الهجوم يُعَدّ أمرًا أساسيًّا لفهم الإستراتيجية الإسرائيلية بشكل عام؛ لأنه لا يتعلق بالبنية الأمنية فقط لـ"إسرائيل"، بل يشمل أيضًا السياق الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط؛ إذ إن النزاع بين "إسرائيل" وإيران يُعَدّ من أبرز مصادر التوترات الإقليمية التي تؤثر في توازن القوى، ومستقبل الأمن النووي، ودرجات التصعيد العسكري.
