شكّل التصادم العسكري الذي دام اثني عشر يومًا بين "إسرائيل" وإيران في يونيو 2025 تحولًا جوهريًّا في المشهد الإستراتيجي للشرق الأوسط؛ إذ يمثل -وفق ما يصفه هنبوش- لحظةً فارقة تتبلور فيها البنية الأمنية المعاصرة للمنطقة. وقد كشف هذا الصراع عن قدرات عسكرية متقدمة في المجالات الجوية والصاروخية والإلكترونية أرغمت الفواعل الإقليمية كافة على إعادة حساباتها الأمنية في ضوء ما تُسمّيه نظريةُ مجمعات الأمن الإقليمية من أنظمة أمنية مترابطة تتشابك فيها تصورات التهديد والسياقات الإستراتيجية- تشابكًا وثيقًا بحكم القرب الجغرافي والتداخل التاريخي. وقد وجدت القوات المسلحة التركية نفسها، إزاء هذا المشهد المتحوّل، أمام ضرورة ملحّة لتقدير ما إذا كانت تركيا مُرشَّحة لأن تُشكّل هدفًا إستراتيجيًّا مستقبليًّا ضمن ديناميكيات التنافس الهيمني الإقليمي الأوسع، أو أن تجد نفسها في مواجهة بيئة أمنية تختلف اختلافًا جذريًّا عما ألفته في العقود الماضية.
لم تقتصر تداعيات هذا الصراع على أرقامه الموثقة من سقوط أكثر من 636 قتيلًا إيرانيًّا وما يزيد على 1,300 جريح، بل امتدت لتشمل التدمير الجزئي للبنية النووية الإيرانية، وتقليص القدرات الصاروخية الإستراتيجية الإيرانية بصورة ملموسة. وقد أتاح ذلك للمحللين الدفاعيين الأتراك أدلةً ملموسةً على الكفاءة العملياتية الإسرائيلية وسلوكها الإستراتيجي في الميدان؛ وقد رصد الباحث الجمال في دراسته التحليلية أن هذه العملية تندرج في سياق هيمنة إقليمية ممنهجة تتجاوز حدود المواجهة الثنائية مع إيران. وكشف هذا الاستعراض العملياتي عن اختلالات عميقة في آليات التوازن الإقليمي القائمة، وأظهر قصور أطر الردع التقليدية المعتمدة على النمط السوفياتي وتوازن الرعب المتبادل في مواجهة المعطيات التكنولوجية الإستراتيجية الجديدة، وأثبت في المقام الأول قدرة "إسرائيل" على خوض عمليات عسكرية دقيقة وواسعة النطاق في ظل قيود دولية محدودة الفاعلية، وهو أمر يتحدى النهج التركي التقليدي القائم على الانخراط الإقليمي الدبلوماسي والضمانات الأمنية التحالفية.
يتجاوز هذا التحول الإستراتيجي مجرد تبدّل موازين القوى؛ إنه يُجسّد -بتعبير جيرفيس الدقيق- "التغيّر الجوهري" في الحسابات الأمنية للفواعل الإقليمية كافة، بامتداداته الضرورية إلى ما وراء المتحاربين المباشرين. وقد وضع الاستعراض الإسرائيلي المُثبَت للقوة جميعَ الأطراف أمام ضرورة قصوى لإعادة تقييم هشاشتهم الأمنية واستعداداتهم الدفاعية، محدثًا ما نُسمّيه في هذه الدراسة "تسلسل إعادة الحساب الإستراتيجي"، أي إعادة التقييم الأمني المتزامن الذي يُطلقه حدث محوري واحد لدى فواعل إقليمية متعددة في آنٍ واحد. وبالنسبة لتركيا التي تتموضع بالضرورة عند مفترق مجمعات أمنية متعددة، باتت إعادة التقييم هذه تحمل طابع الإلحاح بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي الفريد وعلاقاتها المتشعبة مع حلفاء حلف الناتو والشركاء الإقليميين معًا.
رسّخ الصراع نموذجَ تهديد لا تجد تركيا مفرًّا من التعامل معه الجاد بصرف النظر عن رغبتها في تجنب الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع "إسرائيل"؛ ولا سيما أن المسؤولين الإسرائيليين ينظرون بصورة متصاعدة إلى النفوذ التركي في سوريا والمتوسط الشرقي بوصفه تهديدًا بنيويًّا لمصالحهم الإستراتيجية. ويرى كبار المسؤولين الأتراك أن الضربة الإسرائيلية لإيران ليست مواجهةً ثنائيةً معزولة يمكن تجاهلها، بل مرحلة أولى ضمن مسار إعادة هيكلة إقليمية شاملة تستهدف إقصاء المنافسين الإقليميين تباعًا، وترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على النظام الإقليمي. وتنطوي هذه القراءة الإستراتيجية على تداعيات بالغة الأثر على التخطيط الأمني التركي بعيد المدى.
ينطوي الموقف التركي على توتر بنيوي جوهري لا مناص منه: الموازنة الدقيقة بين ضرورات الاستعداد الدفاعي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. فتركيا التي أعادت تعريف دورها الإقليمي منذ مطلع الألفية الثالثة وفق مفهوم "العمق الإستراتيجي" تواجه سؤالًا وجوديًّا مضاعفًا: هل تُراكم القدرات الرادعة الكافية وتخاطر بإطلاق تسلسل تصعيدي غير محسوب، أو تؤجل الاستعداد الكافي وتخاطر بالعجز عن ردع التمدد الإسرائيلي المحتمل في مرحلة مقبلة؟ هذا هو تحديدًا ما نُسمّيه: "مفارقة الأمن الاستباقي": إذ لا تستطيع أنقرة الانتظار حتى تتجلى النوايا العدوانية بصورة قاطعة لا لبس فيها، ولا تملك ترف التجاهل في ظل ما أثبته الصراع من قدرات عملياتية مُثبتة تتخطى حدود ما كان مُتصوَّرًا.
