تُعَدّ نظريات التحالفات أحد المجالات الأساسية للدراسة في العلاقات الدولية. ومن المهم دراسة تفضيلات التحالفات للدول التي يمكن وصفها بأنها جهات فاعلة ثانوية في النظام الدولي أو تُصنَّف على أنها أضعف نسبيًّا. درست نظريات العلاقات الدولية التحالفات عن كثب، وحاولت جميع المناهج النظرية تقريبًا تفسير هذه الظاهرة. يشرح مورغنثاو، أحد رواد الواقعية، كيف تنشأ التحالفات بوصفها تعبيرًا عن المصالح الوطنية للدول والبحث عن توازن القوى. بالنظر إلى النقاشات داخل الواقعية الجديدة، نرى أن النهجين الدفاعي والهجومي يقدّمان تفسيرات مختلفة. حتى النهج الدفاعي منقسم في حدّ ذاته. بينما يجادل والتز بأن الدول تسعى إلى تحقيق توازن القوى على أساس الأمن، يرى والت أن الهدف الرئيس للدول ليس تحقيق توازن القوى بل تحقيق توازن التهديدات. ويجادل ميرشايمر، المعروف بواقعيته الهجومية، بأن الدول ستسعى باستمرار إلى زيادة قوتها حتى تصبح مهيمنة، وأن التحالفات ستنشأ بشكل طبيعي لموازنة ذلك. ومع ذلك، يشير شويلر إلى أن الدول تشكل تحالفات بناءً على مصالحها لا على دوافع القوة والأمن، لافتًا الانتباه إلى البنية التحريفية/الوضع الراهن للبيئة الدولية.
تتكرر سلوكيات التوازن والانضمام إلى التيار (الانضمام إلى التحالفات) بشكل أكثر شيوعًا. وتُلاحَظ إستراتيجية الانضمام إلى التحالفات في سلوك الفاعلين الثانويين، في حين أن سلوك التوازن هو خيار تلجأ إليه القوى الكبرى. عمومًا، يمكن القول: إن الفاعلين الثانويين، يسعون إلى ضمان أمنهم من خلال تشكيل تحالفات مع قوة كبرى. قد ينشأ الاختلاف في التحالفات بين الفاعلين الثانويين بسبب اختلاف تصورات التهديدات، وظهور فرص تحالف بديلة، وتباين المصالح. تصف إستراتيجية البحث عن ملاذ، التي تبرز في علاقات التحالف بين الفاعلين الثانويين، بشكل عام حالة التواجد تحت مظلة أمنية لقوة ما بهدف الحماية من التهديدات. ويبدو أن الغالبية العظمى من الفاعلين في الشرق الأوسط، بالنظر إلى قدراتهم، يفضلون اتباع قوة ما والبقاء تحت حمايتها في مواجهة التهديدات الأمنية.
أدت الثورات العربية إلى تغيير العديد من الأوضاع في الشرق الأوسط. فقد تغيرت التحالفات، وازدادت التصورات الأمنية، وبدأت الدول تتصرف بناءً على تقييمات ملموسة للتهديدات. في حين أن الحركات الاجتماعية تهدّد بشكل مباشر أمن الأنظمة الاستبدادية، فقد لوحظ أن الدول تستجيب بشكل مختلف لأحداث مماثلة اعتمادًا على مصالحها الإستراتيجية. دفعت المخاوف الأمنية الفاعلين في الشرق الأوسط إلى الانحياز إلى أطراف وفاعلين مختلفين على مر الزمن، وتغيير تفضيلاتهم بشكل متكرر، والأهم من ذلك، إعطاء الأولوية للاستقرار قبل أي شيء آخر. وبالطبع، شهدت المنطقة العديد من التطورات والأحداث منذ الربيع العربي، ولا تزال تشهد المزيد منها.
في هذا السياق، ليس من المستغرب أن نجد آثارًا للاستمرارية والانقطاع في سلوك الفاعلين. أثار التوتر الذي نشأ بين السعودية والإمارات في ديسمبر 2025، والذي تركز على اليمن، التساؤل حول سبب تحول التعاون الطويل الأمد في العلاقات الدولية في الخليج والشرق الأوسط إلى انقسام. في الواقع، سيكون من الأصح النظر إلى التوتر في اليمن على أنه مظهر خارجي للتوتر بين القوتين الخليجيتين. على الرغم من أن الاختلاف في السياسة الخارجية بين الرياض وأبو ظبي على مدى العامين الماضيين كان واضحًا منذ وقت مبكر، إلا أنه لم يصل إلى مستوى يمكن أن يظهر للعلن.
كان أحد مجالات الاختلاف بين هذين البلدين، اللذين كانا حليفين وثيقين في السياسات الإقليمية منذ الربيع العربي، هو بلا شك سورية. ومن المؤكد أن دول الخليج لديها تقييمات مختلفة للإطاحة بنظام الأسد في سورية في ديسمبر 2024 واستيلاء المعارضة على دمشق بقيادة هيئة تحرير الشام. يمكن القول: إن قطر والسعودية والإمارات، التي لها نفوذ في السياسة السورية، قد طورت التزامات جديدة بشأن الشكل الذي ستتخذه سورية بعد تغيير النظام ومستقبل سورية.
يمكننا القول: إن السعودية اتبعت سياسة خارجية استباقية تجاه سورية بعد تغيير النظام في ذلك البلد. وتسهم إدارة الرياض، التي لديها خبرة في استخدام قدرتها الاقتصادية أداة للقوة الناعمة، في مشروعات مالية واقتصادية وبنية تحتية من أجل ممارسة نفوذها على الإدارة السورية الجديدة. وفي هذا الصدد، أدى انسحاب روسيا وإيران من سورية بعد تغيير النظام إلى خلق فراغ في السلطة، وسعت السعودية، بوصفها أحد المنافسينَ الرئيسينَ، إلى ملء هذا الفراغ. من ناحية أخرى، تتبنى الإمارات موقفًا أكثر حذرًا. إنها الدولة الأولى التي قامت بتطبيع علاقاتها مع نظام الأسد خلال الثورة في سورية، وهي تحاول التكيف مع العملية الجديدة من ناحية، بينما تحافظ على موقف حذر من ناحية أخرى. تبدو الإمارات غير مرتاحة لماضي هيئة تحرير الشام والقاعدة في الإدارة الجديدة والهويات ”المتطرفة“ لقادتها. ومع ذلك، بدلًا من أن تصبح الإمارات لاعبًا غير فاعل في سورية، فإنها حريصة على البقاء في اللعبة، وتقديم الحد الأدنى من الدعم للحكومة السورية.
من الواضح أن المصالح الإستراتيجية للقوتين الخليجيتين الرئيستين لم تتوافق بعد تغيير النظام. من ناحية أخرى، تعتقد قطر أنها حصلت على مكافأة لجهودها في دعم المعارضة والضغط من أجل تغيير النظام منذ بداية الثورة. وقد بدأت في تقديم دعم قوي لمساعدة الحكومة الجديدة على التغلب على العقبات التي تواجهها. تحاول هذه الدراسة شرح الأسباب التي دفعت السعودية والإمارات، اللتين اتفقتا في العديد من الأحداث في سورية: لماذا اختارت السعودية والإمارات، اللتان اتفقتا على التعاون الإستراتيجي في العديد من الأحداث في الشرق الأوسط، سياسات مختلفة في إستراتيجياتهما تجاه سورية. علاوة على ذلك، ستحاول الدراسة، باستخدام طريقة الدراسة المقارنة للحالات، الكشف عن أسباب الاختلاف في مواقف هذين الفاعلين اللذين يتمتعان بخصائص متشابهة...
