تُعَدّ الساحة اليمنية مسرحًا لصراع معقّد تجاوز كونه ملفًّا محليًّا ليصبح ساحة مفتوحة تتشابك فيها الحسابات الإقليمية والدولية، تأتي أهمية هذه الدراسة في توقيتها، إذ ترصد مرحلة دقيقة من مراحل الصراع، تمثلت في بلورة ما يمكن وصفه بـ"الائتلاف المعكوس"، ويُقصَد بهذا المصطلح الحالة التي يتحول فيها التحالف بين قوتين من التعاون والتنسيق إلى التنافس والصراع، في ساحة المعركة نفسها وتحت راية العدو نفسه. في الحالة اليمنية يُعبّر هذا المفهوم عن التحول الجذري في طبيعة العلاقة بين السعودية والإمارات، من شريكين رئيسين في التحالف العربي لدعم الشرعية (منذ 2015) إلى قوتين متصارعتين، حيث تتصاعد حدة التوتر بينهما في اليمن بشكل غير مسبوق، ليتطور إلى خلاف علني يعيد تشكيل التحالفات وموازين القوى المحلية بشكل دراماتيكي، وله انعكاسات متعددة على أكثر من ملف في المنطقة.
التصعيد الأخير... السياقات والأبعاد
لفهم خلفيات التصعيد الأخير وأبعاده بين السعودية والإمارات في اليمن، من المهم استحضار أبرز المحطات الرئيسة -ذات الصلة- التي مرّت بها الأزمة اليمنية منذ انقلاب جماعة الحوثيين على الشرعية في عام 2014م، ودخول التحالف العربي لدعم الشرعية في مارس 2015م، وانتهاءً بقرار إخراج الإمارات من اليمن في ديسمبر 2025م، مع عرض مظاهر تباين الرؤى وتقاطعات الأهداف بين الدولتين في قيادة التحالف العربي خلال تلك الفترة، بالإضافة إلى ربط التصعيد الأخير بالسياق الجيوسياسي الأوسع في المنطقة.
أولًًا: انقلاب 2014م وتأسيس الدور المشترك بين السعودية والإمارات في اليمن
في الأشهر الأولى لثورة الربيع العربي في اليمن (فبراير 2011م) تدخلت المملكة العربية السعودية بالمبادرة الخليجية التي هدفت إلى "تلبية طموحات الشعب اليمني في التغيير والإصلاح، وانتقال السلطة بطريقة سلسة وآمنة تجنب اليمن الانزلاق للفوضى والعنف ضمن توافق وطني" وأفضت تلك الجهود الخليجية بقيادة السعودية وبرعاية الأمم المتحدة إلى نقل منصب رئيس الجمهورية من علي عبد الله صالح إلى نائبه المتوافَق عليه: عبد ربه منصور هادي، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني، وانعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل بمشاركة شعبية وسياسية واسعة لمكونات الشعب اليمني وأطيافه، ونتج عن مؤتمر الحوار إعلان وثيقة المخرجات ومسودة الدستور الجديد لليمن، لكن سرعان ما أعلنت جماعة الحوثيين المسلحة (الموالية للنظام الإيراني) رفضها تلك المخرجات رغم مشاركتها في الحوار الوطني، وبدأت على الفور بإجراءات تصعيدية مسلحة بتنسيق غير معلن مع قيادات النظام السابق بقيادة علي عبد الله صالح ومراكز نفوذه العسكرية والأمنية والسياسية، وكان لصالح دور في دعم الحوثيين للسيطرة على صنعاء، وتسلّمت القيادات الحوثية مبالغ لتمويل التحرك، وأدى ذلك التصعيد المسلح إلى اجتياح العاصمة صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية في سبتمبر 2014م، في ظل تواطؤ -أو على الأقل تراخي- الرئيس اليمني حينها عبد ربه منصور هادي، الذي كان فيما يبدو قد وقع في حسابات خاطئة لقواعد اللعبة وتقدير الخطر والمآلات، وأقدمت قوى الانقلاب على فرض إقامة جبرية على الرئيس هادي ورئيس الحكومة وعدد من قيادات الدولة، قبل أن يتمكن هادي من ترتيب مغادرته إلى مدينة عدن بشكل سري بعد نحو أربعة أشهر من فرض الحصار عليه في منزله.
في نهايات شهر مارس 2015م كانت قوى الانقلاب قد تمكنت من السيطرة على معظم المعسكرات والمحافظات اليمنية، منها مدينة عدن في أقصى الجنوب اليمني، وفي 26 مارس 2015م أعلنت المملكة العربية السعودية عن قيام عملية عاصفة الحزم وتشكيل التحالف العربي لـدعم الشرعية، وكانت دولة الإمارات ضمن الدول الرئيسة المشاركة في التحالف، وعضوًا في الرباعية الدولية بشأن اليمن، التي تضم (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة "بريطانيا").
