في أعقاب الهجمات التي شنّتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، أدّى ما فعلته "إسرائيل" في غزة، الذي وصفته بعض المنظمات الدولية بأنه إبادة جماعية، إلى إعادة وضع القضية الإسرائيلية في صدارة قضايا النقاش في السياسة الدولية. وقد أجبرت الأزمة الإنسانية في غزة، وتزايد الخسائر في صفوف المدنيين، والمناقشات المتعلقة بالقانون الدولي العديد من الدول والمنظمات الدولية على اتخاذ مواقف. وقد شكّلت هذه الأحداث أحد التطورات التي أثّرت بشكل مباشر في قدرات الاتحاد الأوروبي في مجال السياسة الخارجية. وقد أظهرت الاختلافات في المقاربات التي ظهرت حول قضايا أساسية، مثل الاعتراف بفلسطين بوصفها دولة، ودعوات وقف إطلاق النار، وفرض العقوبات على "إسرائيل"، وتجارة الأسلحة، والمبادرات الدبلوماسية- أن الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبة في تطوير سياسة مشتركة ومتسقة تجاه قضية "إسرائيل"؛ لهذا السبب، أصبحت قضية "إسرائيل" مجال دراسة مهمًّا لا من منظور سياسة الشرق الأوسط فقط، بل من منظور قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة خارجية وقدرته على وضع سياسة مشتركة أيضًا.
تبنى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء سنوات طويلة سياسة تدعم حلّ الدولتين في قضية "إسرائيل"، وأدّى دورًا مهمًّا في تقديم المساعدات الإنسانية لفلسطين، وشارك بنشاط في المبادرات الدبلوماسية في المنطقة. ومع ذلك، ظلّت قضية "إسرائيل" أحد المجالات التي تشهد أكبر قدر من الخلاف في السياسة الخارجية للاتحاد؛ إذ اختلفت تجارب الدول الأعضاء التاريخية وأولوياتها في السياسة الخارجية وتصوراتها للأمن ومصالحها الوطنية في هذه القضية. وقد أثرت هذه الاختلافات بشكل مباشر في قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة مشتركة. وقد أشار جوزيب بوريل، الممثّل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، في تصريح له عام 2021 إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك القدرة على حل هذه القضية، وأن الولايات المتحدة هي الفاعل الوحيد القادر على ممارسة ضغط حقيقي على "إسرائيل". ويُظهر هذا التقييم أن القيود الهيكلية للاتحاد الأوروبي في قضية "إسرائيل" والمناقشات المتعلقة بقدرته على التأثير ليست حالة جديدة ظهرت بعد 7 أكتوبر. لهذا السبب، لا تنظر هذه الدراسة إلى 7 أكتوبر على أنه نقطة انقطاع مطلقة، بل تنظر إليه على أنه نقطة تحول جعلت المشكلات والقيود الهيكلية التي استمرت فترة طويلة أكثر وضوحًا.
شهدت الأدبيات زيادة كبيرة في عدد الدراسات التي تناولت موقف الاتحاد الأوروبي تجاه قضية "إسرائيل" بعد 7 أكتوبر. وقد تناول جزء من هذه الدراسات النهج التاريخي للاتحاد الأوروبي تجاه قضية "إسرائيل"، والتحول في سياسته، وأولوياته المتغيرة في السياسة الخارجية. وركّزت المجموعة الثانية من الدراسات على موقف الاتحاد الأوروبي تجاه العملية بعد 7 أكتوبر، وأداء سياسته الخارجية، وتأثيره الإقليمي. أما المجموعة الثالثة من الدراسات فقد تناولت الانقسامات المؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي، واختلافات الآراء بين الدول الأعضاء، وتأثير هذا الوضع على قدرة الاتحاد على صياغة سياسة مشتركة. ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الأدبيات الحالية إما ركز على النهج العام للاتحاد الأوروبي في السياسة الخارجية وإمّا قيّم التطورات التي حدثت بعد 7 أكتوبر في إطار وصفي. في المقابل، ظلت الدراسات التي تناولت العلاقة بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء والسياسة الخارجية والأمنية المشتركة محدودة. كما أن جزءًا كبيرًا من الدراسات الحالية لم يناقش بشكل كافٍ ما تعنيه التطورات الناشئة من حيث قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة خارجية مشتركة.
تتناول هذه الدراسة سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه القضية الإسرائيلية في سياق السياسة الخارجية والأمنية المشتركة بعد 7 أكتوبر. وتكمن الحجة الأساسية للدراسة في أن قضية "إسرائيل" لا تكتفي بإبراز الخلافات في الآراء داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، بل تكشف أيضًا الحدود الهيكلية للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة؛ إذ أدت الانقسامات التي ظهرت في المواقف المتعلقة بالاعتراف بفلسطين بوصفها دولة، والعقوبات المفروضة على "إسرائيل"، والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وآليات القانون الدولي، إلى تعقيد عملية تطوير سياسة مشتركة ومتسقة. وقد عمّق هذا الوضع التناقضات التي ظهرت بين خطاب الاتحاد الأوروبي، الذي يركز على القيم المعيارية، مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي، والسياسات التي يمارسها عندما يتعلق الأمر بفلسطين. في المقابل، لُوحِظ الحفاظ على توافق أوسع في بعض المجالات، مثل منظور الحل القائم على دولتين والمساعدات الإنسانية الموجهة إلى فلسطين. ولهذا السبب، تقيّم هذه الدراسة الاختلافات التي ظهرت في قضية "إسرائيل" لا بوصفها نتيجة لتفضيلات وطنية بحتة فقط، بل في إطار القيود الهيكلية التي يخلقها الطابع الحكومي الدولي لمجموعة الدول المتعددة الأطراف وآليات اتخاذ القرار فيها أيضًا.
تقدّم هذه الدراسة إسهامًا في الأدبيات من ثلاث زوايا: أولًا، تدرس سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه قضية "إسرائيل" بعد 7 أكتوبر من خلال تناول مجالات سياسية مختلفة، مثل الاعتراف بفلسطين، والعلاقات التجارية، والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، والمساعدات الإنسانية، والنهج المتبعة تجاه آليات القانون الدولي. ثانيًا، تقيّم الدراسة الخلافات التي ظهرت ليس فقط كنتيجة لتفضيلات الدول الأعضاء المختلفة، بل في إطار القيود الهيكلية التي يفرضها الطابع الحكومي الدولي لمجموعة الدول المتعددة الأطراف وآليات اتخاذ القرار فيها. وأخيرًا، تظهر الدراسة أن المشكلة الأساسية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في قضية "إسرائيل" هي عدم القدرة على تشكيل موقف سياسي مشترك ومتّسق، لا نقص القدرات المؤسسية.
تتبع الدراسة نمط البحث النوعي، وتستخدم منهجية تحليل الوثائق. وفي إطار البحث، جرى فحص الوثائق الرسمية والتقارير المؤسسية وتصريحات القادة والإحصاءات، بالإضافة إلى وكالات الأنباء الدولية ومصادر وسائل الإعلام. تتناول الدراسة سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه قضية "إسرائيل" بعد 7 أكتوبر في إطار دراسة حالة، وتقيّم التطورات الناشئة في سياق عمل سياسة الجوار والتوسع. ولهذا الغرض، جرى تصنيف البيانات تحت خمسة موضوعات، هي: الاعتراف بفلسطين، والعلاقات التجارية مع "إسرائيل"، والتعاون في صناعة الدفاع، والمساعدات الإنسانية لفلسطين، والمقاربات تجاه آليات القانون الدولي. وقد جرى اختيار هذه الموضوعات؛ لأنها تمثّل المجالات التي ظهرت فيها أكثر الخلافات في الآراء والمناقشات السياسية وضوحًا داخل الاتحاد الأوروبي بعد 7 أكتوبر. ويقوم هذا العمل بتحليل أوجه التشابه والاختلاف التي ظهرت من خلال دراسة مواقف مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في هذه المجالات بشكل مقارن. وأخيرًا، تتكون الدراسة من قسمين رئيسين: يتناول القسم الأول السمات الأساسية لـلسياسة الخارجية والأمنية المشتركة (CFSP) وحدودها الهيكلية، بينما يتناول القسم الثاني سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه قضية "إسرائيل" بعد 7 أكتوبر من خلال الموضوعات المذكورة.
