تُعَدّ دراسة التاريخ من أهم المعارف الإنسانية؛ لأنها أداة تساعدنا في فهم أنفسنا، وفهم العالَم مِن حولنا. لكلِّ حقل معرفي تاريخ، ولكلِّ نشاط بشري تاريخ، ولكلِّ الظواهر الاجتماعية والطبيعية تاريخ. إنّ علم التاريخ يسهم في كشف الحقائق، وتعزيز الهوية والانتماء، فهو يمثل ذاكرة الشعوب.
ولا يقف التاريخ عند دراسة الماضي فحسب، بل هو أداة للتنبؤ بالمستقبل، كما يقول خوسي أورتيكا Jose Ortega: "نحن ندرس كلَّ التاريخ، لا لِأنْ نقعَ فيه، بل لنفهم كيف نهرب منه"، وهذا يعني أننا نتعلم من أخطاء الماضي بدراستنا للتاريخ. ومن أقدم ما أرَّخ له الإنسان- بالتدوين أو عن طريق النقل الشفوي- الصراعات، والمعارك، والغزوات، والحروب. وليس من الغريب أنْ يكون التاريخ العسكري بين أكثر فروع التاريخ شعبية؛ لِصلته بأحداث وأفراد وتجارب إنسانية أثَّرت في الناس محليًّا وعالميًّا، ومن شأن دراستها أن تعطي فهمًا للحاضر، ورؤية أفضل للمستقبل. وهدف التاريخ العسكري هو تنمية الوعي السياسي لدى العسكريين، وتزويد السياسيين بفهم إستراتيجي يمنع تكرار أخطاء الماضي، ويُحسن توظيف نتائج المعارك.
ينقسم التاريخ العسكري إلى جزء عسكري خاص بالعسكريين والعاملين في مجال الدفاع، وآخر أكاديمي يُدرَّس في الجامعات. ويُوصَف هذا الأخير- بحسب بعض المختصين- بأنه "مهمَّش"، ولم يحصل على درجة الاهتمام المطلوبة بوصفه حقلًا أكاديميًّا؛ بسبب ما سمَّاه جون لين John Lynn "بيئة عدائية للتاريخ العسكري الأكاديمي". وترتبط هذه النظرة بالسياقات التاريخية التي أثَّرت في التاريخ العسكري، كما أن أهمية التاريخ العسكري تختلف من بلد إلى آخر.
تستمد هذه الدراسة أهميتها من تناولها موضوعًا متعددَ التخصصات، وتسلط الضوء على مفهوم التاريخ العسكري ومنهجه من خلال الكتابة عنه باللغة العربية، وبخاصة أن أغلب الدراسات في هذا المجال كُتِبت باللغة الإنكليزية ولغات أجنبية أخرى.
ومن خصائص التاريخ العسكري تداخل موضوعاته ومنهجه مع العديد من الحقول المعرفية الأخرى، وهذا ما يدفعنا لدراسته من خلال الموضوع والمنهج. ومن أهم الأسئلة التي تُطرَح حول تخصص التاريخ العسكري: ما موضوعه؟ وما منهجه؟ وكيف نشأ مفهومه؟ وكيف تطور منهجه؟
مر التاريخ العسكري بمراحل ومحطات عديدة أسهمت في بلورة مفهومه الحالي، بوصفه جزءًا من التاريخ العام الذي تطور إلى حقل علمي متعدد التخصصات، ومنه نشأ فرع التاريخ العسكري.
