تُعَدّ موارد المياه في الشرق الأوسط من الأصول الطبيعية العابرة للحدود ذات الأهمية الإستراتيجية بين دول المنطقة. تُعرَف هذه المنطقة باسم بلاد ما بين النهرين، وهي مهد الزراعة والحضارة عبر تاريخ البشرية، وهي منطقة جغرافية تغذّي نهري الفرات ودجلة. لكن اليوم، تواجه الأراضي الواقعة بين هذين النهرين مشكلات مائية خطيرة. أدى تغير المناخ وزيادة الطلب وبناء السدود في الأحواض العليا إلى انخفاض كمية ونوعية نظام الأنهار، وهذا أدى إلى تدمير البيئة والهجرة الداخلية، وفي بعض الأحيان، إلى وقوع حوادث عنيفة. تسببت ندرة المياه في انخفاض احتياطيات المياه إلى أدنى مستوى لها منذ 80 عامًا في البلدان الواقعة في مجرى النهر، مثل العراق، وهذا أجبر أكثر من 10,000 أسرة على النزوح بسبب جفاف الأنهار وتعريض الأمن الغذائي للخطر. وفي العراق، توقفت خطط الزراعة في صيف عام 2025 بسبب الجفاف. أدت الملوحة والتلوث في محافظات مثل البصرة، إلى زيادة الأمراض المنقولة بالمياه، واحتجّ سكان مدن مختلفة على قطع المياه.
تكمن قضية تقاسم نهرَي الفرات ودجلة بين تركيا والعراق في صميم أزمة المياه هذه. يتهم العراق جارته تركيا بتقييد تدفق الأنهار. من ناحية أخرى، ترى تركيا أن مصدر المشكلة يكمن في سوء إدارة المياه والبنية التحتية في العراق. في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة على السؤال الآتي: إن الخلاف بين تركيا والعراق حول استخدام نهري الفرات ودجلة يتشكل بدرجة أكبر بسبب الاختلافات القانونية والمؤسسية والحوكمية أكثر من التقاسم الكمي للمياه. إلى أي مدى يسهم نهج تركيا في الاستخدام العادل في إدارة هذا النزاع؟
على الرغم من وجود اتصالات دبلوماسية بين البلدين على مدى سنوات حول استخدام نهري الفرات ودجلة، ولكن لا يوجد حتى الآن اتفاق شامل وملزم. تتناول هذه الدراسة القضية بطريقة متعددة الأبعاد من المنظور التركي. في البحث تحليل الخلفية التاريخية ومطالب العراق وسياسة تركيا المائية والحجج القانونية، وآثار المشروعات في نطاق مشروع حوض الفرات، ومشكلات إدارة المياه الداخلية في العراق، والأزمات الأخيرة والتطورات الدبلوماسية، والحلول المقترحة، يجري تحليلها في إطار أكاديمي. وفي البحث كلك تأكيد الحجج الرسمية ونهج جمهورية تركيا، وعرض أسباب موقف تركيا الدبلوماسي والتقني بشأن تقاسم المياه. وعلى امتداد البحث كله، ثمة تقييم البعد القانوني الدولي، ومناقشة شرعية المبادئ التي تدافع عنها تركيا في ضوء المصادر الأكاديمية.
بناءً على ذلك، تستند الدراسة منهجيًّا إلى تصميم بحثي نوعي. باستخدام نهج تتبع العمليات، جرى تحليل البروتوكول الإضافي لعام 1946، وفترة اللجنة الفنية المشتركة لعام 1980 واللجنة الفنية المشتركة لعام 1987، والترتيب المؤقت لعام 1987، وتعبئة الخزان لعام 1990، وكذلك اتفاقيات عام 2009، والمبادرات المؤسسية للفترة 2017-2019، واتفاقية إطار الآلية المالية لعام 2025، يجري تحليلها بالتسلسل. في نطاق مراجعة الوثائق، ثمة تقييم البروتوكولات الثنائية والبيانات الرسمية والنصوص القانونية الدولية والدراسات الأكاديمية وتقارير السياسات معًا؛ بالإضافة إلى تفسير النتائج المتعلقة بقدرة العراق الداخلية على إدارة المياه مقارنةً بالدراسات المتعلقة بالحوكمة والبنية التحتية.
