طالما كانت إفريقيا منطقة محورية عبر التاريخ، لا لموقعها الإستراتيجي المطل على المحيطين الأطلسي والهندي فقط، بل لمواردها الطبيعية الهائلة وتنوعها الثقافي والحضاري أيضًا. وقد أدرك سلاطين الدولة العثمانية هذه الأهمية منذ القرن السادس عشر، حيث مدّوا نفوذهم إلى أجزاء واسعة من القارة، ولاسيما في شمال إفريقيا، والقرن الإفريقي، وسواحل البحر الأحمر. تميّز الوجود العثماني في إفريقيا -خلافًا للنماذج الاستعمارية الأوروبية اللاحقة- بأنه لم يقم على نظرة استعلائية عرقية، بل قام على أسس دينية وإدارية وتجارية، مع احترام نسبي للهياكل المحلية. وقد ترك العثمانيون إرثًا معماريًّا وثقافيًّا ودينيًّا لا يزال ملموسًا حتى اليوم في مدن مثل طرابلس، والجزائر، وتونس، والقاهرة، وسواكن.
في العصر الحديث، ومع تحول النظام الدولي بعد الحرب الباردة، أعادت تركيا -وريثة الدولة العثمانية- اكتشاف إفريقيا لا من باب الاستعادة الإمبراطورية، بل من منظور القوة الناعمة والشراكة المتوازنة؛ فمنذ إعلان "سنة إفريقيا" 2005، وتبنّي "إستراتيجية الانفتاح على إفريقيا"، انتهجت تركيا سياسة خارجية تقوم على مبادئ: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتقديم المساعدات الإنسانية دون شروط، وتعزيز التبادل التجاري المتوازن، ودعم السلام والأمن الإقليمي. وقد تجلى ذلك في افتتاح أكثر من 44 سفارة تركية في إفريقيا، وزيادة حجم التبادل التجاري إلى أكثر من 25 مليار دولار، وتشغيل الخطوط الجوية التركية إلى أكثر من 60 وجهة إفريقية. كما أدّت مؤسسات مثل "تيكا" (TİKA) و"معهد يونس إمره" و"الوكالة التركية للتعاون والتنسيق" و"الهلال الأحمر التركي" دورًا محوريًّا في ترجمة هذه السياسة إلى مشروعات ملموسة في مجالات التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والإغاثة الإنسانية في القارة.
تقوم العلاقات التركية الإفريقية على مبدأ التوازن والفوائد المتبادلة وتأخذ بُعدين: أحدهما سياسيّ والآخر دبلوماسيّ على مستوى الدولة وعلى مستوى المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال وتتميز العلاقات بالتوازن وعدم الاستعلاء. اعتمادًا على ذلك وضع الساسة الأتراك الجدد محددات جديدة للسياسة الخارجية التركية التي تخاطب واقع العلاقات والتفاعلات والمصالح المتبادلة بوصفها أساسًا للتعاون المشترك بينها وبين دول القارة.
