رؤية تركية
دورية محكّمة في
الشؤون التركية والدولية
ISSN 2458-8458
E-ISSN 2458-8466

| المقالات والدراسات < رؤية تركية

الحرب في اليمن والحاجة إلى العدالة الانتقالية

ملخّص: تتناول هذه الورقة عودة الصراع المسلح في اليمن، وتبين أن جذور النزاع تمتد إلى إرث من المظالم والانتهاكات المتراكمة، وتوضح أن استمرار النزاعات في اليمن وقابلية تكرارها لا يمكن ربطهما بتغير في موازين القوى على الأرض أو بالتدخلات الإقليمية، وإنما بإرث من المظالم التي لم تستطع الحكومات اليمنية المتعاقبة ولا التسويات السياسية التي حصلت على مدى الفترات الماضية من معالجتها. وتخلص الورقة إلى أنّ أيّ انتصار عسكري أو تسوية سياسية لن يحقق الاستقرار والسلام في اليمن ما لم يُبْنَ مسار وطني حقيقي للعدالة الانتقالية لمعالجة المظالم المتراكمة وقضايا الضحايا وتؤسس لمصالحة مجتمعية وسياسية حقيقية، وإلا ستبقى البيئة المحلية مهيّأة لتكرار دورات الحرب. ABSTRACT: This paper examines the resurgence of armed conflict in Yemen. It illustrates that the roots of the conflict extend to a legacy of accumulated grievances and violations. It argues that the continuation and recurrence of conflicts in Yemen cannot be attributed to shifts in the balance of power on the ground or to regional interventions, but rather to a legacy of grievances that successive Yemeni governments and past political settlements have failed to address. It concludes that neither a military victory nor a political settlement will achieve stability and peace in Yemen unless a genuine national transitional justice process is established to address accumulated grievances, address victims' issues, and lay the foundation for meaningful social and political reconciliation. Otherwise, the local environment will remain conducive to recurring cycles of war.

الحرب في اليمن والحاجة إلى العدالة الانتقالية

ارتبطت عودة الصراع اليمني هذه المرة بتغير في موازين القوى وحسابات الأطراف المحلية والإقليمية، ولكن النظر من عدسة أوسع يكشف أن عودة الحرب من جديد مشكلة أعمق بكثير من ربطها بمصالح القوى المحلية والإقليمية المنخرطة في الصراع، بل إن جذور الصراع الحالي مرتبطة بإرث من المظالم والانتهاكات. وقد عانى اليمن صراعات متلاحقة، ما تزال آثارها معلقة، ولم تتمّ معالجتها بطريقة منصفة وعادلة. ومن هذا المنطلق، يجب ألا تُقرَأ عودة الحرب في اليمن على أنها مجرد انهيار للهدنة غير الرسمية الممتدة منذ 2022، بل هي مؤشّر على استمرار الصراعات القابلة للتجدد في أي وقت. وتبرز العدالة الانتقالية بوصفها مدخلًا إلى تحليل هذه المعضلة؛ لأن الهُدَن أو الاتفاقات السياسية الهشّة، أو حتى الانتصارات العسكرية المؤقتة، لا تعني بالضرورة حلَّ جذور النزاعات المتراكمة. والعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، بل تسهم في معالجة المظالم والانقسامات المجتمعية.... وتهدف إلى تحقيق سلام دائم. ولهذا، فإن "تدابير العدالة الانتقالية لا تصب في مصلحة الضحايا فحسب، بل يمكن أن تشكل مخرجًا آمنًا لمن ارتكبوا الانتهاكات إذا اعترفوا بها، واعتذروا عنها، وطلبوا العفو، والتزموا بعدم تكرارها، وقاموا بتعويض الضحايا تعويضًا مُرضيًا". وهي أيضًا عبارة عن آلية للخروج السلمي من حالات الصراع والنزاع إلى حقبة جديدة يسودها السِّلم والعدل والديمقراطية. ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2004، فإن العدالة الانتقالية تُعرَّف بأنها: "مجموعة كاملة من العمليات والآليات المرتبطة بمحاولات المجتمع للتصالح مع إرثٍ من الانتهاكات واسعة النطاق، لضمان المساءلة وتحقيق العدالة والمصالحة".

وفي هذا الإطار، تهدف هذه الورقة إلى تحليل عودة الحرب وحاجة اليمن إلى عدالة انتقالية تمنع تكرار الصراع، حيث يحتاج اليمن إلى عدالة حقيقية تعالج جذور النزاعات وقضايا الضحايا، والاعتراف بمظالم الناس، بما يقود إلى مصالحة سياسية واجتماعية تمنع عودة النزاعات مجددًا. وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن تجاهل مظالم الصراعات السابقة والحالية قد يحوِّل أي اتفاق سياسي، أو حتى انتصار عسكري لطرف ضد آخر، إلى فترة مؤقتة سرعان ما تتفجر بعدها الصراعات من جديد. ولذلك، لا يبرز السؤال حول من يملك القدرات العسكرية لفرض شروطه، وإنما: لماذا أخفقت التسويات السياسية السابقة في معالجة إرث الصراعات، ممّا أدى إلى عودتها مجددًا؟ وهل يمكن للعدالة الانتقالية أن توفر مدخلًا إلى معالجة جذور الأزمات اليمنية ومنع إعادة تكرار موجات العنف والصراعات العسكرية؟ وللإجابة عن هذين السؤالين، تدافع الورقة عن أطروحة مفادها أن استمرار الصراعات في اليمن وقابلية تكرارها لا يرتبطان بتغير موازين القوى على الأرض أو بالتدخلات الخارجية، وإنما بإرثٍ من الانتهاكات والمظالم التي لم تستطع الحكومات السابقة ولا التسويات السياسية السابقة معالجتها. من ثَمّ، فإن أي تغير في موازين القوى العسكرية على الأرض، أو أي تسوية سياسية جديدة، لن يكون قادرًا على تحقيق سلام مستدام ومنع عودة الصراعات ما لم يتضمن مسارًا للعدالة الانتقالية يعالج المظالم ويضع الضمانات اللازمة لعدم تكرار الصراع.


ملصقات
 »  

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومقيدة لأغراض محددة. لمزيد من التفاصيل ، يمكنك الاطلاع على "سياسة البيانات الخاصة بنا". أكثر...