رؤية تركية
دورية محكّمة في
الشؤون التركية والدولية
ISSN 2458-8458
E-ISSN 2458-8466

| المقالات والدراسات < رؤية تركية

عالم منجرف: السياسة العالمية في مرحلة انتقالية غير مستقرة

ملخّص: ترى الدراسة أن النظام الدولي في عام 2026 يمر بمرحلة انتقالية تتآكل فيها القواعد والمؤسسات الناظمة للنظام القائم، من دون ظهور بديل مستقر. وقد توسّع تنافس القوى الكبرى من المجال العسكري إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والفضاء والفضاء السيبراني، بالتوازي مع ترابط الأزمات الإقليمية بالتوازنات العالمية وتراجع الحوكمة الدولية. تبحث الدراسة التصعيد والتسلح والتنافس التكنولوجي بوصفها مؤشرات على حالة “انجراف” إستراتيجي، تستدعي مفهومًا شاملًا للأمن يجمع الردع العسكري والمرونة الاقتصادية والسيادة التكنولوجية وأمن الإمداد والقدرة المؤسسية على التكيف. ABSTRACT: This article argues that, by 2026, the international system is undergoing a structural transition in which the institutional and normative foundations of the existing order are eroding without a stable, predictable replacement. Great-power competition now extends beyond the military sphere to encompass economics, technology, energy, critical supply chains, connectivity, outer space, and cyberspace. Coupled with the linkage between regional crises and global power balances, and the weakening of international governance, this produces an environment of fragmentation, vulnerability, and multidimensional rivalry. The study calls for a comprehensive security framework encompassing deterrence, economic resilience, technological sovereignty, supply security, and institutional adaptability.

عالم منجرف: السياسة العالمية في مرحلة انتقالية غير مستقرة

مع دخول عام 2026، لم يعد النظام الدولي يتّسم بملامح واضحة أو مستقرة، بل بات يمرّ بحالة واسعة من الانجراف وعدم اليقين؛ إذ تآكلت، إلى حد بعيد، الأسس البنيوية التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فيما دخل العالم طورًا انتقاليًّا لم تعد فيه القواعد القائمة ولا التحالفات التقليدية كافية لضمان الاستقرار. وفي بيئة تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، تتقاطع فراغات القوة الإقليمية مع الاحتكاكات العالمية، ولم يعد الأمن مكسبًا ثابتًا، بل عملية ديناميكية تتطلب إعادة ضبط مستمرة.

ولا تقتصر السياسة الدولية في هذه المرحلة على تعمق التنافس بين القوى الكبرى، بل تشمل امتداد هذا التنافس إلى ساحات إستراتيجية جديدة، وتصاعد التأثير المباشر للصراعات الإقليمية في توازنات القوى العالمية، وتفاقم أزمة الفاعلية والشرعية في نظام الحوكمة الدولية. وفي هذا العصر، الذي يمكن وصفه بـ"العالم المنجرف" (A World Adrift)، يمكن قراءة المشهد الإستراتيجي العالمي واتجاهاته المستقبلية من خلال أربعة محاور رئيسة.

أولًا، أصبح التنافس بين القوى الكبرى متعدد الأبعاد، مع تداخل المجالات: العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية. ثانيًا، يتجه النظام الدولي بسرعة نحو مزيد من التشظي؛ فبينما تتسع هوامش المناورة أمام القوى المتوسطة، تتعمق في الوقت نفسه هشاشة النظام. ثالثًا، تتفاعل المخاطر الجيوسياسية مع المخاطر البيئية والتكنولوجية، مما ينتج عنه عالم أكثر تعقيدًا وتكلفةً وصعوبةً في الإدارة. أما المحور الرابع فيتمثل في صعود مسار أكثر خطورة: هو تطبيع "حالة الاستثناء" في إدارة السياسة الدولية.

فـ"حالة الاستثناء" (State of Exception)، التي تشير في العلاقات الدولية إلى الخروج على القواعد المقررة، لم تعد وضعًا مؤقتًا، بل أخذت تتحول إلى نمط عمل في المرحلة الجديدة. ولا تقتصر الاستثنائية هنا على انتهاك القواعد، بل تعبر عن أسلوب لإدارة الأزمات يمكن فيه تعليق القواعد وإنتاج الشرعية انطلاقًا من الوقائع القائمة وعلاقات القوة، أكثر من استنادها إلى القانون والمؤسسات. وكلما فضّلت القوى الكبرى النتائج السريعة، وضبط التكلفة، والاستعداد لمنافسة واسعة النطاق، على حساب الاستقرار القابل للتنبؤ، اتسع نطاق أدوات الإكراه منخفضة الحدة، وارتفعت أخطار سوء التقدير، وضاقت هوامش حركة القوى الوسطى، وتسارعت مساعي الاستقلال الإستراتيجي وإعادة التوازن.

ويمثل تنافس القوى الكبرى (Great Power Competition - GPC) أحد أكثر مجالات التحول إيلامًا، إذ يبرز بوصفه دينامية بنيوية لا تشكل السلوك الإستراتيجي للقوى المتنافسة فحسب، بل ترسم مواطن الهشاشة المستدامة في النظام الدولي أيضًا. ومن منظور تحول النظام الدولي، لا يبدو العالم في طور انتقال واضح من نظام إلى آخر، بل في مرحلة بينية غامضة تفصل بين نظامين. وبعبارة أوضح، تتعرض الأحادية القطبية المتمركزة حول الولايات المتحدة للتآكل والانحسار البنيوي على المستويات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية والجيوستراتيجية، في حين لم تتجذر التعددية القطبية بعد بصورة مكتملة.


ملصقات
 »  

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومقيدة لأغراض محددة. لمزيد من التفاصيل ، يمكنك الاطلاع على "سياسة البيانات الخاصة بنا". أكثر...