رؤية تركية
دورية محكّمة في
الشؤون التركية والدولية
ISSN 2458-8458
E-ISSN 2458-8466

| كلمة رئيس التحرير < رؤية تركية

كلمة رئيس التحرير

يصدر هذا العدد من مجلة "رؤية تركية" في لحظة تتقاطع فيها تحولات النظام الدولي مع إعادة تعريف دور حلف شمال الأطلسي، وتتقدم فيها تركيا من موقعها التقليدي بوصفها حليفًا على الجناح الجنوبي الشرقي إلى موقع أكثر مركزية في حسابات الردع والأمن والإنتاج الدفاعي وإدارة الأزمات. فقد استضافت أنقرة في 7 و8 يوليو/تموز 2026 قمة الناتو، وهي القمة الثانية التي تعقد في تركيا، في وقت شهد فيه الحلف ضغوطًا غير مسبوقة: توتر في العلاقات عبر الأطلسي، وتراجع قابلية الاعتماد على الحماية الأميركية بوصفها ضمانة تلقائية، واستمرار الحرب الروسية–الأوكرانية، واتساع المخاطر في الجوار الجنوبي، وتسارع سباق التسلح والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، والحرب الأمريكية- الإيرانية، وقد أعادت القمة تأكيد الدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة، وتأكيد التزامات رفع الاستثمار الدفاعي وتوسيع الإنتاج والقدرات، لكنها كشفت أيضًا أن وحدة الحلف لم تعد تُقاس بالشعارات، بل بقدرته على تحويل الالتزامات السياسية إلى قوة عسكرية وصناعية قابلة للاستخدام.

كلمة رئيس التحرير

لا يمكن قراءة قمة أنقرة بوصفها حدثًا بروتوكوليًّا، فهي عقدت في مرحلة يتآكل فيها النظام الدولي القديم، من دون أن يتبلور نظام جديد مستقر وقابل للتنبؤ. إن التنافس بين القوى الكبرى توسع ليشمل الاقتصاد والطاقة والرقائق والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والمعادن الحيوية والفضاء والمجال السيبراني والممرات البحرية. وفي هذا العالم المتشظّي، لا تكفي القوة العسكرية وحدها لصناعة الأمن؛ بل تصبح المرونة الاقتصادية والسيادة التكنولوجية والقدرة الصناعية وحماية البنى التحتية وأمن الإمداد جزءًا لا يتجزأ من معنى الردع.

من هنا تأتي أهمية هذا العدد، الذي يتخذ من قمة أنقرة والناتو مدخلًا لتحليل الأسئلة الأوسع التي تواجه تركيا وأوروبا والشرق الأوسط والنظام الدولي. فالقمة لا تختصر مستقبل الحلف وحده، بل تفتح نقاشًا حول طبيعة الأمن في عصر الانتقال: هل يستطيع الناتو الحفاظ على ثقافته الأمنية وتماسكه السياسي في ظل تباين التهديدات بين جناحيه الشرقي والجنوبي؟ وهل تستطيع أوروبا تحويل خطاب الاستقلالية الإستراتيجية إلى قدرات دفاعية وصناعية متماسكة؟ وهل يملك الحلف بالفعل إستراتيجية متكاملة تجاه الشرق الأوسط، أم أنه لا يزال يدير الجنوب عبر شراكات متفرقة واستجابات جزئية؟ وما الذي يعنيه صعود التكنولوجيا غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي المتكامل، بالنسبة إلى المعايير القديمة للتفوق العسكري؟

تتقدم تركيا في هذه الأسئلة بوصفها حالة مركزية لا هامشية. فموقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وصناعاتها الدفاعية المتنامية، وخبرتها في مكافحة الإرهاب، وصلاتها مع البلقان والبحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط وشرق المتوسط، تمنحها دورًا لا يمكن اختزاله في الإسهام بالقوات أو استضافة القواعد. وهي دولة عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه دولة متعددة المجمعات الأمنية، تتحرك عند تقاطعات تهديدات روسية وأوروبية وشرق أوسطية وآسيوية، وتواجه تحديات الهجرة والإرهاب والطاقة والبحر الأسود والنزاعات الإقليمية ضمن بيئة واحدة مترابطة.


ملصقات
 »  

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومقيدة لأغراض محددة. لمزيد من التفاصيل ، يمكنك الاطلاع على "سياسة البيانات الخاصة بنا". أكثر...